السيدة ميس عفانة

خطاب السيدة ميس عفانة، مديرة البرنامج الإقليمي للمبادرة النسوية الأورومتوسطية عن دور المجتمع المدني في تعزيز وصول النساء إلى سوق العمل خلال الحوار الوطني لمتابعة نتائج الإجتماع الوزاري الرابع للإتحاد من أجل المتوسط حول حقوق النساء في 8 ايار 2018 في عمّان، الأردن.

مقدمة عن السياق العام:

تعتبر المشاركة الاقتصادية للمرأة أساسا رئيسيا من أجل تحررالنساء وضمان حقوقهن السياسية والاجتماعية والثقافية، ومشاركتهن في عملية التنمية المستدامة، فلا يمكننا الحديث عن التنمية دون الحديث عن المشاركة الاقتصادية والاستقلال الاقتصادي للنساء من أجل تعزيز قدراتهن على المشاركة واتخاذ القرار سواء داخل الأسرة أو في العمل السياسي أوالاجتماعي.

وتشكل النساء نصف القوى العاملة تقريبا في العالم، وبناء على تقرير للأمم المتحدة عند حساب العمل المأجور وغير المأجور الذي تقوم به المرأة مثل الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، تعمل النساء بما معدله نصف ساعة أكثر يوميا من الرجال في الدول المتقدمة، و50 دقيقة أكثر في البلدان النامية، وتعمل النساء أقل من الرجال في الأعمال المأجورة وأكثر في الأعمال غير المأجورة، إضافة إلى وجود فجوة جندرية في انخراط كل من الرجال والنساء في سوق العمل المنظم لصالح الرجال.

وبحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية تقدر فجوة الأجور بين الجنسين عالميا بما نسبته 23% أي تكسب النساء 77% مما يكسبه الرجل وهذا مرتبط بانتقاص قيمة العمل الذي تنجزه المرأة والمهارات المطلوبة في القطاعات أو المهن التي تهيمن عليها المرأة وممارسة التمييز وحاجة المرأة إلى فترات استراحة مهنية للاعتناء بمسؤوليات رعاية أضافية مثل ولادة الأطفال.

وبالنظر إلى أنواع المهن التي تقوم بها النساء مقارنة بالرجال نجد أن الفصل القطاعي والمهني لا يزال مستمرا على صعيد عالمي حيث يساهم هذا الفصل في الفجوات الجندرية الموجودة سواء من حيث عدد الوظائف أو نوعيتها حيث تتركز النساء في قطاعات الصحة والتعليم وتجارة الجملة والتجزئة كما تتركز في المهن الأولية، وبالتالي تحصر النساء في القطاعات والوظائف المتدنية ذات الأجور الأقل أي المكانة الاجتماعية الأقل. وتؤدي الفجوة الجندرية في العمالة ونوعية الوظائف أن للمرأة فرصا محدودة للوصول إلى الحماية الاجتماعية، وبالتالي يؤثر انخفاض معدلات العمالة المنظمة بأجر إلى جانب قلة عدد الساعات والسنوات في العمل للنساء سلبيا على علاوات الأقدمية في الأجور وعلى التغطية في التقاعد وغيرها وتكون أدنى للمرأة منها للرجل.

لا تختلف النساء في الأردن عن النساء في جميع أنحاء العالم، فمعالم التمييز لا تزال واضحة خاصة في مجال المشاركة الاقتصادية وانخراط المرأة في سوق العمل، حتى لقد يبدو أن الوضع في الأردن للنساء أسوأ مما هو عليه عالميا، فبحسب تقرير الفجوة الجندرية للعام 2017 احتلت الأردن المرتبة 135 من 144 دولة حيث كان السبب الرئيسي في ذلك ضعف المشاركة الاقتصادية للنساء.

وعلى الرغم من كل الجهود الوطنية والمبادرات المنفذة من أجل زيادة المشاركة الاقتصادية للمرأة في سوق العمل الأردني وتعزيز القوانين والتشريعات الناظمة للعمل في الأردن وتغيير الثقافة المتعلقة بخروج المراة إلى العمل إلا أن مراجعة المؤشرات المتعلقة بالمشاركة الاقتصادية للمرأة تؤكد عدم وجود تطورات جوهرية حقيقية على واقع المشاركة الاقتصادية للنساء في الأردن، فما زالت هنالك امرأة واحدة من بين كل ثمانية نساء تعمل فقط.

وتواجه النساء في سوق العمل الأردني مجموعة من التحديات دفعتهن للقبول بالحد الادنى من الامتيازات –هذا في حال حصلن عليها بالاصل-  أو في النهاية الى الانسحاب من سوق العمل بسبب هذه العوامل التي تعتبر عوامل طرد لهن، منها التحديات الموجودة في سوق العمل نفسه مثل طول ساعات العمل متصاحبا مع تدني الأجور التي لا تتناسب مع قيمة العمل، أو المضايقات والتحرش الذي قد تتعرض له النساء ووجود قصور في التشريعات وتجاوزات في تنفيذها على أرض الواقع، واستمرار التمييز النوعي بين النساء والرجال سواء في نوع الوظائف أو مستويات الأجر أو الحصول على مزايا الترقية وفرص التدريب، إضافة إلى نقص الخدمات الاجتماعية المساندة للمرأة مثل الحضانات. ومن التحديات ما هو مرتبط بالتقسيم التقليدي للعمل داخل المنزل ومواجهة مسؤولية مزدوجة من قبل المرأة العاملة، والنظام التعليمي وتقسيم العمل فما زالت النساء تتجه الى المجالات التعليمية التي تؤدي الى قطاعات العمل المقبولة إجتماعيا مثل التعليم والصحة لأنها معتبرة من طرف المجتمع على أنها مناسبة للمرأة لأنها لا تتعارض مع دورها الانجابي.

دور منظمات المجتمع المدني

في الأردن، يلعب المجتمع المدني وخصوصا المنظمات النسائية دورا رئيسيا في تعزيز حقوق النساء والمساواة الجندرية في جميع مناحي الحياة منذ خمسينات القرن الماضي. ففي الدول الديمقراطية يعتبر المجتمع المدني صلة وصل رئيسية للتواصل والحوار بين الشعب والحكومة وصناع القرار. ومن أجل تعزيز وصول النساء إلى سوق العمل وبقائهن لا بد من معالجة المعوقات الثقافية والاجتماعية والقانونية والعملية والذي يتطلب تعاونا بين الحكومة والسلطات المحلية والمشرعين ومنظمات المجتمع المدني خاصة المعنية بحقوق النساء.

استخدم المجتمع المدني، العملية الوزارية للاتحاد من أجل المتوسط حول "تعزيز دور المرأة في المجتمع" كأداة رئيسية لتعزيز المساواة المبنية على النوع الإجتماعي في المنطقة الأورومتوسطية. ومن أجل متابعة المخرجات الوزارية، أطلقت المبادرة النسوية الأورومتوسطية عام 2015 عملية حوار بقيادة منظمات حقوق المرأة بين المجتمع المدني وصناع القرار، وبدعم من الإتحاد الأوروبي، وكان من نتيجة هذه العملية تطوير المنصة الإقليمية للنوع الاجتماعي.

تم التأكيد خلال العملية على أن حالة المساواة المبنية على النوع الاجتماعي هي مقياس الديمقراطية والتنمية، ولا يمكن فصلها عن التوجهات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وبالتالي من الضروري إعطاء الأولوية لسياسات مستدامة للمساواة المبنية على النوع الاجتماعي.

وساهمت المبادرة النسوية الأورومتوسطية في تنظيم الحوارات الإقليمي والوطنية بقيادة منظمات المجتمع المدني مع الحكومات والمشرعين من أجل وضع آليات واضحة وعملية لرسم السياسات المتعلقة بالمساواة وحقوق النساء وتنفيذها على أرض الواقع. وفي الأردن دعمت المبادرة ونظمت مع وزارة التنمية الاجتماعية حوارا إقليميا عام 2016، تبعه ثلاثة حوارات وطنية بالشراكة مع مجلس النواب ووزارة الشؤون السياسية والبرلمانية. إضافة إلى ذلك تم تنظيم مؤتمر إقليمي لمنظمات المجتمع المدني على أعتاب الاجتماع الوزاري الرابع حيث دعمت المبادرة مشاركة وفد ممثل للأردن تشكل من منظمات المجتمع المدني والأكاديميين والإعلام مع وزارة التنمية الاجتماعية.

وفي المؤتمر الوزاري الرابع الذي عقد في القاهرة 2017 قدمت منظمات المجتمع المدني مجموعة من التوصيات إلى الوزراء من أجل جعل المؤتمر الوزاري الرابع نقطة تحول، واتخاذ تدابير ملموسة ومحددة من أجل تحسين حالة المساواة المبنية على النوع الاجتماعي في المنطقة بأسرها. كما حثوا الحكومات على تخصيص الموارد البشرية والمادية والمالية اللازمة لجميع الإصلاحات لضمان تنفيذها.

وركزت التوصيات المتعلقة بالمشاركة الاقتصادية للنساء على ضرورة اعتماد تشريعات وتوفير الخدمات العامة والبنية الأساسية التي تهدف إلى تمكين النساء من الوصول إلى والمشاركة في سوق العمل في ظروف متساوية مع الرجال، مصحوبة بإجراءات الرقابة وخطط المساواة الإلزامية للشركات وفرض  جزاءات كبيرة عند عدم الامتثال، إضافة إلى توفير إجازة أبوية غير قابلة للتحويل وممولة من القطاع العام، والانخراط في صنع السياسات التي تضمن المسؤولية الأبوية المشتركة وليس فقط في إجازة الوالدين، والانخراط في صنع سياسات الأجر المتساوي عن العمل المتساوي والمساواة في الحصول على فرص العمل والمسؤوليات، مع توفير آليات مراقبة وفرض عقوبات على أرباب العمل الذين يميزون في الأجور ضد النساء سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأخيرا توفير وصول دائم ومستمر إلى المعلومات المتعلقة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للنساء.

وفي التوصيات الختامية التي صدرت عن المؤتمر الوزاري الرابع شدد الوزراء على ضرورة معالجة التمييز المهني (الأفقي والعامودي) مع المساواة في الأجر وحقوق العمل وضمان توفير الحماية الاجتماعية للنساء أسوة بالرجال، وبيئة عمل خالية من التحرش والعنف، والقضاء على أشكال التمييز في سوق العمل.

وأكدت المنظمات النسائية في الملتقى الوطني لمنظمات المجتمع المدني الذي عقد البارحة تحت رعاية وزيرة التنمية الاجتماعية معالي السيدة هالة بسيسو لطوف على ضرورة اتخاذ آليات واضحة ووضع خطة عمل لتنفيذ الإعلان الوزاري الصادر عن القاهرة 2017 في جانب تعزيز وصول النساء إلى سوق العمل. وركزت منظمات المجتمع المدني على أن الأردن ورغم نسبة التعليم العالي لدى النساء إلا أن ذلك لا ينعكس على المشاركة الاقتصادية للمرأة لأسباب عدة أهمها ضعف وسائل النقل العام وسوء خدماتها، وبيئة العمل والتشريعات التي تميز ضد النساء في بعض موادها كقانون العمل والضمان الاجتماعي والتقاعد المدني، أو لا تطبق موادها الداعمة للمرأة على أرض الواقع بشكل فعال مثل توافر حضانات، إضافة إلى استمرار فجوة الأجور الواضحة خصوصا في القطاع الخاص.

ومن أهم التوصيات التي صدرت في مجال تعزيز وصول النساء إلى سوق العمل والتي يمكن إدراجها في خطة العمل لتنفيذ التوصيات الوزارية ما يلي:

  1. إقرار التعديلات المقترحة على قانون العمل والتي قدمت في مجلس النواب ومواصلة العمل على إصلاح التشريعات التمييزية الأخرى وسن تشريعات تجرم التمييز وتدعم المساواة المبنية على النوع الاجتماعي
  2. توفير مواصلات عامة آمنة وخالية من التحرش
  3. توفير الحضانات المؤسسية في جميع المؤسسات التي لدى عمالها وعاملاتها حد أدنى 15 طفل.
  4. تعزيز مشاركة النساء في النقابات العمالية والمهنية ومراجعة القوانين الناظمة للعمل النقابي بحيث تسمح بوجود نقابات للفئات العمالية الجديدة وخصوصا دعم العاملات الزراعيات في الأغوار لترخيص نقابتهن والإقرار بها.
  5. بناء قدرات الشابات والعمل على توفير فرص التدريب والتطوير من أجل تعزيز وصولهن إلى سوق العمل.
  6. تحسين بيئة العمل وضمان توفير الخدمات المساندة للنساء والتأكيد على المساواة في الأجور وتجريم التمييز ضد النساء في سوق العمل وحماية العاملات من العنف.
  7. العمل مع وسائل الإعلام وشركات الإعلان من أجل تغيير الصور النمطية المتعلقة بالنساء.
  8. بناء قدرات النساء صاحبات المشاريع الإنتاجية في القرى على عملية التسويق وتوفير أماكن لهن لبيع منتجاتهن
  9. العمل على زيادة وعي النساء بحقوقهن الواردة في التشريعات والقوانين المتعلقة بالعمل من خلال عقد جلسات توعوية للنساء العاملات في مؤسساتهن.
  10. العمل على مراقبة التزام القطاع الخاص بتطبيق قانون العمل وايجاد قوانين رادعة في حال وجود تجاوزات وضمان المساواة في الأجور بين النساء والرجال.
  11. عقد المؤتمرات حول العملية الوزارية في المحافظات وليس فقط في عمان من أجل نشر الوعي حول العملية الوزارية وانخراط المنظمات المحلية في الحوارات الوطنية بشكل أكبر وأكثر فاعلية.
  12. تعزيز التشبيك بين منظمات المجتمع المدني لتبادل الخبرات وتعزيز الحوار مع الحكومة وصناع القرار من أجل ايصال الاحتياجات والتوصيات من القاعدة إلى مراكز صنع القرار، والعمل على تشكيل هيئة تنسيق مشتركة بين المنظمات المعنية بحقوق النساء ووزارة التنمية الاجتماعية وصناع القرار المعنيين لوضع وتنفي خطة عمل وطنية لتنفيذ الإعلان الوزاري وتوصياته.
  13. تنفيذ التعليمات المتعلقة بمنح الحقوق المدنية لابناء وبنات الأردنيات المتزوجات من أجنبي وخصوصا فيما يتعلق بتصاريح العمل وتسهيل الاجراءات.
  14. التراجع عن مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد الذي سيأتي على حساب شرائح المجتمع الفقيرة والمتوسطة حيث ستكون النساء الأكثر تضررا منه، والعمل على رفع الحد الأدنى من الأجور حيث أن الكثير من النساء يحصلن على الحد الأدنى كما نعلم مثلا عن معلمات القطاع الخاص.

وقد تم إرسال هذه التوصيات لجميع المشاركات في الملتقى من أجل مراجعتها والتوافق عليها والخروج بوثيقة تحمل توصيات محددة يتم تقديمها إلى الوزارة وفتح باب الحوار من أجل إدراجها في خطة عمل وطنية لتنفيذ توصيات الإعلان الوزاري في الأردن.